أنهى الذهب تداولاته الأسبوعية محققاً إغلاقاً قوياً بالقرب من مستوى 4200 دولار للأوقية، ليثبت مجدداً مكانته كأصل استثماري آمن في ظل التقلبات الاقتصادية العالمية. ورغم لجوء شريحة واسعة من المستثمرين إلى عمليات البيع بهدف جني الأرباح السريعة، تمكن المعدن الأصفر من الحفاظ على زخم صعودي، مسجلاً مكاسب إجمالية بلغت 6% خلال الثلاثين يوماً الماضية، مما يعكس قوة الطلب الأساسي في الأسواق.
أداء استثنائي في 2025: السياق والخلفية
مع اقتراب إسدال الستار على عام 2025، يمكن وصف أداء الذهب بأنه "تاريخي" بكل المقاييس. فقد شهد المعدن النفيس عاماً استثنائياً كسر فيه أكثر من 50 مستوى قياسياً جديداً، محققاً عائداً سنوياً تجاوز حاجز الـ 60%. هذا الصعود الصاروخي لم يأتِ من فراغ، بل كان مدفوعاً بمزيج معقد من العوامل، أبرزها تصاعد حدة التوترات الجيوسياسية في مناطق متعددة حول العالم، وحالة عدم اليقين الاقتصادي التي خيمت على الأسواق الكبرى، بالإضافة إلى الضعف الملحوظ في أداء الدولار الأمريكي.
وفي سياق متصل، لعبت البنوك المركزية العالمية دوراً محورياً في هذا الصعود، حيث كثفت من عمليات شراء الذهب لزيادة احتياطياتها الاستراتيجية، في خطوة تهدف إلى تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على العملات الورقية التقليدية، مما عزز من استقرار الأسعار عند مستويات مرتفعة.
الأنظار تتجه نحو الفيدرالي الأمريكي
في الوقت الراهن، تحبس الأسواق أنفاسها ترقباً للاجتماع المصيري لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) المقرر عقده بين 9 و10 ديسمبر الجاري. وتشير التوقعات بقوة إلى خفض وشيك لأسعار الفائدة، وهو ما يعتبره المحللون وقوداً إضافياً لمسار الذهب الصاعد.
وفي هذا الصدد، أشارت سوني كوماري، خبيرة استراتيجيات السلع في بنك "ANZ"، إلى أن أي تراجع محتمل للأسعار نحو مستوى 4000 دولار سيشكل فرصة ذهبية لجذب مشترين جدد، مؤكدة أن الدعم الأساسي للمعدن لا يزال قوياً جداً. وتاريخياً، توجد علاقة عكسية بين أسعار الفائدة والذهب؛ حيث يؤدي خفض الفائدة إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب الذي لا يدر عائداً، مما يجعله أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بالسندات وأدوات الدين.
سيناريوهات 2026: بين الصعود والهبوط
استشرافاً للمستقبل، رسم مجلس الذهب العالمي خارطة طريق لمسار الأسعار في عام 2026، محدداً العوامل الحاسمة التي ستشكل المشهد الاقتصادي:
- السيناريو الإيجابي (الصعود): يرى المجلس أن استمرار خفض أسعار الفائدة، بالتزامن مع تفاقم التوترات الجيوسياسية والبحث المستمر عن الملاذات الآمنة، قد يخلق "رياحاً مواتية" تدفع الأسعار للارتفاع بنسبة تتراوح بين 15% و30% عن المستويات الحالية. في هذا السيناريو، سيظل الطلب الاستثماري، وخاصة عبر صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs)، هو المحرك الرئيسي، معوضاً أي تراجع قد يشهده قطاع المجوهرات أو الاستخدامات التكنولوجية بسبب ارتفاع الأسعار.
- السيناريو السلبي (الهبوط): على الجانب الآخر، لم يستبعد التقرير سيناريو معاكساً، حيث قد يؤدي تسارع النمو الاقتصادي العالمي بشكل مفاجئ وتراجع حدة التوترات السياسية إلى عودة البنوك المركزية لسياسات التشديد النقدي. هذا الوضع من شأنه أن يدعم قوة الدولار الأمريكي مجدداً، مما قد يضغط على الذهب ويدفعه نحو مسار هبوطي وتصحيح سعري.
ختاماً، تظل التوقعات مرهونة بمدى استجابة المؤشرات الاقتصادية العالمية للمتغيرات المتسارعة، حيث يبقى الذهب هو المؤشر الأكثر حساسية لنبض الاقتصاد العالمي ومخاوف المستثمرين.


