في خطوة قضائية مفصلية تهدف إلى توحيد المبادئ القانونية في المملكة العربية السعودية، حسمت الهيئة العامة للمحكمة الإدارية العليا الجدل القائم حول الجهة المختصة بنظر تظلمات الممارسين الصحيين. وقد أقرت الهيئة في اجتماعها الأخير برئاسة معالي الشيخ علي بن سليمان السعوي، المبدأ القضائي الذي ينص على أن الولاية القضائية لنظر الطعون في القرارات الصادرة عن لجان مخالفات نظام مزاولة المهن الصحية تنعقد ابتداءً للمحاكم الإدارية التابعة لديوان المظالم، وذلك بموجب القرار رقم (1) لعام 1447هـ.
سياق القرار وأهميته القانونية
يأتي هذا القرار ليضع حداً لسنوات من تباين الاجتهادات حول الاختصاص النوعي في مثل هذه القضايا، حيث كان هناك تداخل في التفسيرات حول ما إذا كانت هذه التظلمات تقع ضمن اختصاص القضاء العام أو القضاء الإداري. ويُعد ديوان المظالم في المملكة العربية السعودية هو الجهة المعنية بالقضاء الإداري، والمسؤول الأول عن الفصل في المنازعات التي تكون الجهات الحكومية أو الهيئات ذات الشخصية المعنوية العامة طرفاً فيها، مما يجعل إسناد هذه القضايا إليه تصحيحاً للمسار الإجرائي وتأكيداً على الطبيعة الإدارية لقرارات اللجان الصحية.
تعزيز ضمانات العدالة والتقاضي
يرسخ هذا المبدأ الجديد حق التقاضي على درجتين للممارسين الصحيين، وهو ما يمثل ضمانة أساسية من ضمانات العدالة. فبدلاً من أن تكون قرارات اللجان شبه القضائية نهائية أو صعبة الطعن، أصبح للمتظلم مسار واضح يبدأ من المحكمة الإدارية (درجة أولى) وصولاً إلى محاكم الاستئناف الإدارية. هذا التسلسل يتيح فرصة أكبر لتمحيص الأدلة ومراجعة الأحكام، ويعيد التأكيد على الدور الأصيل للمحاكم الإدارية في بسط رقابتها القضائية على القرارات الصادرة عن اللجان الإدارية وشبه القضائية، مما يضمن حماية حقوق جميع الأطراف.
الأثر المتوقع على القطاع الصحي والمنظومة العدلية
من المتوقع أن يُحدث هذا القرار تأثيراً إيجابياً واسع النطاق على المستويين المحلي والتنظيمي. فعلى الصعيد المحلي، سيسهم في تعزيز الثقة لدى الكوادر الطبية والممارسين الصحيين في بيئة العمل، حيث يضمن لهم القانون مساراً عادلاً وشفافاً في حال تعرضهم لأي عقوبات مسلكية أو مهنية. أما على صعيد المنظومة العدلية، فإن هذا التوجه يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تطوير المرفق العدلي، ورفع كفاءة الإجراءات، وتقليص أمد التقاضي من خلال تجميع الاختصاصات المتشابهة تحت مظلة قضائية واحدة متخصصة.
ختاماً، يمثل هذا القرار انتصاراً لمبدأ المشروعية وسيادة القانون، حيث يتيح للمتظلمين عرض منازعاتهم أمام قضاة متخصصين في القضاء الإداري، مما يرفع من جودة الأحكام القضائية ويحقق استقراراً في المراكز القانونية للعاملين في هذا القطاع الحيوي والحساس.


