في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الهوية الثقافية السعودية على الساحة العالمية، اختتمت هيئة الأزياء السعودية بنجاح مبادرتها النوعية “إحياء التراث السعودي: الفنون والحرف اليدوية”. لم تكن هذه المبادرة مجرد برنامج تدريبي، بل جسر يربط بين أصالة الماضي وإبداع المستقبل، حيث سعت إلى تمكين جيل جديد من المصممين السعوديين من خلال تزويدهم بالأدوات اللازمة لدمج الحرف التقليدية العريقة في تصاميم عصرية ومبتكرة.
سياق ثقافي ورؤية وطنية
تأتي هذه المبادرة في قلب التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية ضمن إطار “رؤية 2030″، التي تولي أهمية قصوى للحفاظ على التراث الثقافي الغني وتنميته كأحد أصولها الاستراتيجية. تأسست هيئة الأزياء في عام 2020 كإحدى الهيئات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة، بهدف تنظيم وتطوير قطاع الأزياء في المملكة، وتحويله إلى رافد اقتصادي وإبداعي مهم. ويُعد التراث السعودي، بتنوعه الجغرافي والثقافي الهائل من الأزياء والحرف اليدوية، من كنوز المملكة التي تسعى الهيئة إلى إبرازها عالميًا، بدءًا من تطريز “القط العسيري” المسجل في اليونسكو، إلى حياكة “السدو” التقليدية، والنقوش النجدية الدقيقة.
برنامج تدريبي مكثف وشراكة استراتيجية
أقيمت فعاليات المبادرة في “فكر”، المساحة الإبداعية التابعة للهيئة، والتي أصبحت مركزًا حيويًا للمبدعين. على مدار خمسة أيام مكثفة، انخرط المصممون المشاركون في سلسلة من ورش العمل المتخصصة التي قادها خبراء في المجال. ركز التدريب على التطبيقات الحديثة لتقنيات التطريز التقليدي، وأعمال الخرز الدقيقة، بالإضافة إلى ورشة عمل مميزة حول الاستخدام الإبداعي لكريستالات سواروفسكي، مما أتاح للمصممين فرصة للجمع بين الفخامة العالمية واللمسة التراثية المحلية. لم يقتصر البرنامج على الجانب التقني فحسب، بل شمل أيضًا توجيهًا مفاهيميًا ساعد المشاركين على استلهام القصص الكامنة وراء العناصر الثقافية السعودية وتحويلها إلى قطع أزياء فريدة تروي حكاية.
من الإلهام إلى منصة التتويج
بعد فترة التدريب، عمل المشاركون على تطوير تصاميمهم النهائية المستوحاة من التقاليد السعودية، مع الاستفادة من جلسات تقييم فردية قدمها مختصون من علامة سواروفسكي العالمية. ولإضفاء طابع احترافي على أعمالهم، أتاحت الهيئة للمصممين استخدام استوديو تصوير مجهز بالكامل. وفي حفل ختامي أقيم في مقر “فكر”، عرض المشاركون بفخر تصاميمهم المكتملة أمام لجنة تحكيم متخصصة. وقد توجت المصممة رولا مطلق العنزي بالمركز الأول في المسابقة، تقديرًا لتميز تصميمها وقدرتها على تحقيق التوازن المثالي بين الأصالة والمعاصرة.
تأثير يمتد إلى العالمية
لم تقتصر ثمار المبادرة على الفوز المحلي، بل امتدت لتفتح آفاقًا دولية للمواهب السعودية. حيث تم ترشيح أفضل خمسة مصممين، وهم: رولا مطلق العنزي، وعبدالله البارقي، ولطيفة البوعجان، وهديل عبدالعزيز، وأروى السحيم، للمشاركة في مسابقة سواروفسكي الأكاديمية الدولية. يمثل هذا الترشيح اعترافًا عالميًا بجودة المواهب السعودية ويمنحهم فرصة لا تقدر بثمن لعرض أعمالهم على منصة دولية. إن دعم هيئة الأزياء للمواهب المحلية والارتقاء بالحرف التقليدية يظل جزءًا أساسيًا من رسالتها، فمن خلال هذه المبادرات، تضع الهيئة أسسًا متينة لمنظومة أزياء سعودية مزدهرة ومستدامة، تحتفي بتراثها العريق وتتبنى في الوقت ذاته روح الابتكار العالمية.


