أعرب قيصر الأغنية العربية، الفنان كاظم الساهر، عن عميق تقديره للجمهور السعودي، واصفاً إياه بأنه يمتلك ذائقة فنية رفيعة و”فن الإصغاء”، وهو ما يمنح الفنان مساحة للإبداع، خاصة في ميدان القصيدة الفصحى الذي يعتبره الساهر ملعبه الحقيقي. جاءت هذه التصريحات عقب حفلته الاستثنائية التي أقيمت على مسرح مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، ضمن فعاليات “أمسيات الغناء بالفصحى” التي تنظمها هيئة الموسيقى السعودية.
خلفية تاريخية: الساهر والقصيدة الفصحى
يمثل كاظم الساهر حالة فريدة في المشهد الموسيقي العربي المعاصر. فعلى مدى عقود، بنى مسيرته الفنية على أسس متينة من الكلمة الراقية واللحن الأصيل، متخذاً من اللغة العربية الفصحى وسيلة للتعبير عن أعمق المشاعر الإنسانية. ارتبط اسمه بقصائد كبار الشعراء، وعلى رأسهم نزار قباني، حيث نجح في تحويل قصائد ديوانية معقدة إلى أغانٍ جماهيرية رددها الملايين، مثل “زيديني عشقاً” و”مدرسة الحب” و”إني خيّرتك فاختاري”. هذا الالتزام بالفصحى لم يكن مجرد خيار فني، بل مشروع ثقافي أعاد للقصيدة المغناة بريقها ومكانتها في عصر طغت فيه الأغنية السريعة والبسيطة.
السياق الثقافي: المملكة واحتضان الفنون الرفيعة
يأتي حفل الساهر في إثراء ضمن سياق تحول ثقافي واجتماعي واسع تشهده المملكة العربية السعودية، تماشياً مع رؤية 2030. فقد أصبحت المملكة وجهة رئيسية لكبار الفنانين العرب والعالميين، ومنصة لإطلاق المبادرات الفنية النوعية. وتُعد سلسلة “أمسيات الغناء بالفصحى” التي تنظمها هيئة الموسيقى بالتعاون مع “إثراء” دليلاً على هذا التوجه، الذي يهدف إلى إحياء التراث الموسيقي العربي الأصيل وتقديمه للأجيال الجديدة، وتعزيز مكانة اللغة العربية كلغة للفن والإبداع. إن استضافة فنان بحجم كاظم الساهر في هذا الإطار يؤكد على جدية هذا المسعى ورغبة المملكة في ريادة المشهد الثقافي العربي.
تفاعل فريد وتقدير متبادل
شدّد الساهر على الطبيعة الخاصة لتفاعل الجمهور السعودي، قائلاً: “الجمهور السعودي جمهور ذوّاق ومثقّف، وإذا لم تكن الكلمة مهمة وعميقة فلن تلامسهم. لكنني جرّبت معهم قصائد صعبة، ومن على المسرح رأيت احترامهم للكلمة واللحن”. وأضاف أن هذا التقدير يمنح الفنان طاقة إيجابية هائلة، وهو ما لمسه في جميع حفلاته بالمملكة. من جهته، أوضح القيصر أن الفصحى ليست مجرد تراث، بل هي لغة حية ومتجددة قادرة على التعبير عن الحب والرومانسية بآفاق واسعة، وهو ما يفسر تفاعل الأجيال المختلفة مع أغانيه.
الأهمية والتأثير المتوقع
على الصعيد المحلي، تسهم هذه الفعاليات في إثراء الحياة الثقافية وتلبية أذواق شرائح متنوعة من المجتمع السعودي. أما إقليمياً، فهي تعزز الروابط الثقافية العربية وتؤكد على أن الفن الراقي لا يزال له جمهوره الواسع. دولياً، تقدم هذه الحفلات صورة مشرقة عن المملكة كمركز للإشعاع الحضاري والفني، يحتفي بلغته وتراثه وينفتح في الوقت ذاته على العالم. إن نجاح حفل كاظم الساهر في إثراء ليس مجرد نجاح لفنان، بل هو احتفاء باللغة العربية وقدرتها على جمع القلوب وتوحيد المشاعر.


