في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تعريف قطاع النخيل والتمور، دشّن وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، المهندس عبد الرحمن الفضلي، مرحلة جديدة للاقتصاد الزراعي في المملكة. جاء ذلك خلال رعايته حفل توقيع 12 اتفاقية وشراكة بين القطاعين العام والخاص، على هامش مؤتمر النخيل والتمور الدولي في الرياض. تستهدف هذه الاتفاقيات تحويل سلسلة القيمة الكاملة للنخلة، من مجرد منتج زراعي استهلاكي إلى ركيزة أساسية في الصناعات التحويلية المتقدمة، والصناعات الطبية، ومنتجات التجميل، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 لتنويع الاقتصاد وتعزيز الأمن الغذائي.
خلفية تاريخية وسياق استراتيجي
تحتل النخلة مكانة رمزية وثقافية عميقة في تاريخ شبه الجزيرة العربية، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص. ولطالما كانت مصدرًا أساسيًا للغذاء والأمن الاقتصادي. اليوم، تعد المملكة من أكبر منتجي ومصدري التمور في العالم، حيث تحتضن ملايين أشجار النخيل التي تنتج مئات الأصناف الفاخرة. وفي إطار رؤية 2030، لم تعد النظرة إلى هذا القطاع تقتصر على الإنتاج الزراعي التقليدي، بل تحولت إلى رؤية شاملة تسعى لتعظيم القيمة الاقتصادية لكل جزء من النخلة، من الثمرة إلى النواة والسعف والجذع، وتحويلها إلى محرك اقتصادي مستدام يساهم في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي.
تفاصيل الاتفاقيات وتأثيرها المتوقع
شملت حزمة الاتفاقيات المبرمة مجالات متعددة تعكس النهج الشامل للدولة، وأبرزها:
- الاقتصاد الدائري والاستدامة البيئية: تم توقيع عقود لإنشاء مراكز متخصصة في الرياض والقصيم لمعالجة متبقيات النخيل. تهدف هذه المراكز إلى تحويل المخلفات الزراعية، مثل السعف والجذوع، إلى منتجات ذات قيمة مضافة كالألواح الخشبية والأسمدة العضوية، مما يقلل الهدر البيئي ويخلق فرصًا صناعية جديدة.
- الابتكار والتقنية المتقدمة: امتدت الشراكات لتشمل تعاونًا دوليًا مع كندا لتطوير تقنية متقدمة لاستخلاص مادة “السليلوز” من سعف النخيل. يفتح هذا المشروع آفاقًا واسعة لاستخدام السليلوز في صناعات الورق، والمنسوجات، والمواد الصديقة للبيئة، مما يضع المملكة في مصاف الدول المبتكرة في هذا المجال.
- الصناعات الغذائية والتوسع في الأسواق: أبرم المركز الوطني للنخيل والتمور اتفاقيات مع سلاسل مطاعم وشركات أغذية عالمية ومحلية كبرى. تهدف هذه الشراكات إلى إدماج التمور ومشتقاتها (كالدبس والعجينة) كمكون أساسي في منتجات الحلويات والمعجنات والوجبات، مما يزيد من قنوات التوزيع ويصل إلى شريحة جديدة من المستهلكين.
- الصحة والتجميل: في نقلة نوعية، دخلت منتجات النخيل إلى القطاع الصحي والتجميلي عبر اتفاقيات تتيح بيع مستحضرات وزيوت مستخلصة من “نواة التمر” في سلاسل الصيدليات الكبرى، للاستفادة من خصائصها المضادة للأكسدة والمغذية.
- التراث والثقافة: تم إطلاق مبادرة “جذور” بالتعاون مع هيئة التراث وجهات غير ربحية، لتمكين وتأهيل الحرفيين السعوديين في الصناعات اليدوية القائمة على النخيل، مما يضمن استدامة الموروث الثقافي ويوفر فرص عمل مستدامة.
الأهمية الاقتصادية والتنافسية العالمية
تكمن أهمية هذه الاتفاقيات في قدرتها على بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول قطاع النخيل والتمور. فعلى الصعيد المحلي، ستساهم في خلق آلاف الوظائف في مجالات التصنيع والبحث والتطوير والتسويق. وعلى الصعيد الدولي، ستعزز هذه المبادرات من مكانة التمور السعودية في الأسواق العالمية، ليس فقط كمنتج خام، بل كمنتجات مبتكرة ذات قيمة مضافة وعلامة تجارية قوية. إن ربط البحث العلمي، ممثلاً في الشراكة مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية “كاوست”، بالتطبيقات الصناعية، يكفل للمملكة ريادة مستدامة في هذا القطاع الحيوي، ويجعلها مركزًا عالميًا للابتكار في اقتصاديات النخيل.


